ثقافة أحترام القانون

ياسين العطواني

لعل أهم ميزة تَميز بها الارث الحضاري لبلاد ما بين النهرين عن غيره، هي هذه الحُزمة من القوانين المتطورة، والتي تُعد بحق أقدم القوانين المدونة المكتشفة حتى الآن في العالم، فقد تميزت هذه القوانين بخصائص وضعتها في مقدمة القوانين القديمة الناضجة، حيث أخذت بمبادئ قانونية متطورة، يمكن ان نجد صداها حتى في القوانين المعاصرة. وهي تعكس بذلك مدى التطور الحضاري، والنضج الثقافي الذي كان يتمتع به انسان وادي الرافدين.

وقد استمر هذا التراكم الحضاري للقوانين والتشريعات عبر عصور تاريخية مختلفة. وكان من المفترض ان تتجذر هذا المفاهيم القانونية، حتى تصبح ثقافة عامة ومتداولة بين الأوساط الاجتماعية، إلا ان هذا الأمر اصطدم بواقعٍ جديد في العصور المتأخرة، تمثل بظهور أنظمة دكتاتورية تعاقبت على حكم هذه البلاد، وتعاملت مع اصدار القوانين وإلغائها (بجرة قلم) مثلما كان يفعل النظام الدكتاتوري السابق مع بنود القانون العراقي، حيث قدم هذه النظام أسوأ نموذج للقانون المُسيس، وأصبح الحاكم هو مصدر التشريع والإلهام. ونتيجة لحجم هذه التركة الثقيلة، وتداعيات ما بعد التغيير، استمرت بعض المفاهيم المغلوطة تلقي بظلالها على هذه المرحلة، ومنها قيام البعض بعدم احترام القانون.

وهنا يتبادر الى الذهن سؤال مفاده: ما هي الكيفية التي يتم بموجبها تعزيز ثقافة احترام القانون، والآليات المتبعة في نشر هذه الثقافة بين أفراد المجتمع؟. وسط هذه المُتغيرات علينا ان ندرك أولا، ان القانون يشكل أهم مرتكز لتثبيت قواعد الدولة الحديثة، ففي عالم اليوم بات مقياس التطور الحضاري والمدني للشعوب والأمم يُحدد من خلال مدى تقدم وتحضر منظومة القوانين التي تحكم تلك الشعوب والأمم، ومن خلال مدى تطبيق والتزام المواطن بهذه القوانين.

بل ان بعض البلدان المتقدمة قد تجاوزت مرحلة القوانين المكتوبة، عندما تحولت هذه القوانين الى منظومة قيم وأعراف مجتمعية راسخة، اذ لم تعد في هذه البلدان حاجة الى تذكير المواطن بما هو مُدون من لوائح قانونية موضوعة على الرف او في أدراج المكاتب، وبات الوازع الأخلاقي والثقافي للفرد وللمجتمع هو الرقيب والمسؤول عن تطبيق القوانين والالتزام بها. ولهذا علينا ان نعي هذه الحقائق، وان نلم بكل ما يدور حولنا، فنحن بأمس الحاجة الى الاستفادة من تجارب الآخرين، بالاضافة الى استثمار ما لدينا من إرث حضاري حافل في مجال القوانين والتشريعات.

من خلال ما تقدم نستطيع ان نقول بأن هنالك نقصا كبيرا في الثقافة القانونية لدى بعض شرائح المجتمع العراقي. ولهذا من الضروري ان يكون لدى كل مواطن الحد الأدنى من هذه الثقافة التي تجعله على بينة وبصيرة بحقوقه وواجباته نحو الآخرين، وذلك لكي يتم تجنب هذا الخلط بين المفاهيم والرؤى.

ونعتقد ان هنالك العديد من الوسائل والاجراءات التي يمكن من خلالها نشر وترسيخ ثقافة احترام القانون، على ان يكون هذا الأمر ضمن ستراتيجية ورؤية واضحة، تأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الاجتماعية والثقافية التي تحدد سلوكيات المجتمع وما يؤمن به من قيم ومعتقدات. ومن تلك الاجراءات انشاء مكاتب في الوزارات والدوائر المعنية، كوزارة الداخلية ووزارة العدل، تتولى نشر ثقافة احترام القانون، والعمل على مدّ جسور الثقة والتواصل مع المجتمع، بالاضافة الى الدور المفترض الذي يمكن ان تقوم به المؤسسات التربوية والإعلامية، والمنابر الدينية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمنتديات الثقافية والاجتماعية في الترويج لهذه الثقافة العصرية والحضارية التي يمكن من خلالها ان يتم بناء دولة قوية. ويبقى الهدف الستراتيجي لثقافة احترام القانون هو أن يكون احترام الناس للقانون نابعاً من الذات، ومن الضمير، وليس نابعاً من هاجس الخوف، ومن العقوبة التي يفرضها القانون على من يتجاوز عليه.

K2_MORE_IN_THIS_CATEGORY « الفصل بين السلطات